محمود أبو رية
48
أضواء على السنة المحمدية
قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ! وهناك غير ذلك أخبار كثيرة يرجع إليها في كتابي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر وتقييد العلم للبغدادي وغيرهما . ولئن كان هناك بعض أحاديث رويت في الرخصة بكتابة الأحاديث إن أحاديث النهي أصح وأقوى ، بله ما جرى عليه العمل في عهد الصحابة والتابعين . وقد عقد الفقيه المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله فصلا قيما في التعادل والترجيح بين روايات النهي وروايات الرخصة نأتي به هنا ليكون مقطع الحق في هذا الأمر . قال رحمه الله ( 1 ) : إن أصح ما ورد في المنع من كتابة الحديث ما رواه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه وابن عبد البر في كتاب العلم وغيرهم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا : " لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن فمن كتب غير القرآن فليحمه " . وإن أصح ما ورد في الإذن حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما مرفوعا : " اكتبوا لأبي شاه " وهو لا يعارض حديث أبي سعيد وما في معناه على قاعدتنا التي مدارها على أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن كتابة حديثه مراد به ألا تتخذ دينا عاما كالقرآن ، وذلك أن ما أمر بكتابته لأبي شاه هو خطبة خطبها صلى الله عليه يوم فتح مكة موضوعها تحريم مكة ولقطة الحرم ، وهذا من بيانه صلى الله عليه وسلم للقرآن الذي صرح به يوم الفتح وصرح به في حجة الوداع وأمر بتبليغه - فهو خاص مستثنى من النهي العام . قد صرح البخاري في باب اللقطة من صحيحه بأن أبا شاه اليمني طلب أن تكتب له الخطبة المذكورة فأمر صلى الله عليه وسلم بإجابة طلبه . ولو فرضنا أن بين أحاديث النهي عن الكتابة والإذن بها تعارضا يصح أن يكون به أحدها ناسخا للآخر ، لكان لنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين أحدهما استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها ، وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وثانيهما عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره ، ولو دونوا ونشروا لتوافر ما دونوه .
--> ( 1 ) ص 766 وما بعدها من المجلد العاشر في المنار وص 511 وما بعدها من المجلد 19 من